هشام جعيط

250

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

تخيلها مربعة الشكل أو مستطيلة ، وأنها غطت عرض الخطة كله أو كادت تغطيه ، بعرضها ( 80 مترا لبني همدان ، وهي خطة ضيقة لكنها تمددت وقد تجاوزت في الخطط الأخرى هذا الرقم ) . وامتدت على الطول بالمقدار نفسه أو يزيد : كانت الجبانة مجالا خاليا ، غير مبني وغير مسيج بعد « 1 » ، وهي تحتل ما يقرب من هكتار على الأقل ، وتحد امتداد البناءات في الخطة القبلية ، فأتاحت بذلك تجمع عدة آلاف من الخلائق . حصار مصعب للكوفة ونهاية المختار ( 67 ه / 687 ) إن هذه الحلقة الأخيرة من المأساة تسمح فعلا بمزيد من التطلع ، لا لوظيفة التجميع التي تقوم بها الجبّانات الرئيسة ، بل لدورها هذه المرة في الإحاطة وكعقدة لمرور البشر والمؤن ، وصلة أساسية بين المركز والعالم الخارجي . فمن تحكم فيها تحكم في الكناسة والسبخة ويمكنه خنق القصر والمسجد . وهذا ما فعله جيش مصعب بن الزبير الذي جاء من البصرة لإنهاء مغامرة المختار ، بعد أن هزم جيشه في المذار . ولنوضح بعض الأمور حول السياق السياسي إفادة للقارئ . في سنة 67 ه كان الأمويون قد حلوا قضية الخلافة داخل الأسرة ، واستردوا الشام ومصر « 2 » . وكان ابن الزبير يسيطر على الحجاز والعراق « 3 » ، باستثناء الكوفة تحديدا التي انتزع منها المختار الولاء . لقد حرض المختار الكوفيين على الانتفاض باسم الأخذ بثأر الحسين كما بينا ، فاستولى على الحكم في الكوفة . واعتمد على الموالي مغضبا الأشراف « 4 » ، الذين ثاروا عليه لكن أجهضت ثورتهم . وعند ذلك ، توخى المختار سياسة التطرف . وطارد دون هوادة أعداءه وأمر بقتل أسراه كافة . فطارد « قتلة » الحسين ومنهم عدد من الأشراف الذين فرت عندئذ جماعات منهم واتجهوا إلى مصعب في البصرة وطلبوا منه النجدة والتعويض عما لحقهم من ضرر « 5 » . ووجه المختار جيشا إلى الجزيرة لقتال عبيد اللّه بن زياد مدبر مقتلة كربلاء ووفق في القضاء عليه . وترتب عن عمله هذا تأخير فتح العراق من قبل الأمويين ، فتدخل مصعب الذي كان يريد توحيد العراق تحت راية ابن الزبير فضلا عن أنه كان مدفوعا إلى ذلك بشدة من طرف الأشراف المهاجرين من الكوفة . واتجه إلى الكوفة بعد انتصاره في المذار « 6 » ، على رأس

--> ( 1 ) انظر لاحقا . ( 2 ) أنساب الأشراف ، قسم 5 ، ص 148 - 150 . ( 3 ) الطبري ، ج 6 ، ص 43 - 44 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ص 51 - 66 ؛ أنساب الأشراف ، ج 5 ، ص 236 - 241 ، 251 . ( 5 ) في معركة خازر سنة 67 ه : الطبري ج 6 ، ص 86 - 92 ؛ أنساب الأشراف ، قسم 5 ، ص 247 - 258 . ( 6 ) الطبري ، ج 6 ، ص 93 - 97 ؛ أنساب الأشراف ، قسم 5 ، ص 252 - 255 .